من ايديولوجية الحركة

بسم الله الرحمن الرحيم
طيب! نحن ننتقل إلى حديثنا الثقافي. الواقع أن امكانية الحديث بالنسبة إليّ، أنا في بداية رمضان حاولت أن اقول: أن لرمضان منهاجاً سأتبعه بصورة ثابتة وقاطعة. ولكن يبدو اني قد خذلت أمام الصيام. لا أزال أصوم والحمد لله، ولكن وضعي الصحي سيء للغاية. ضغطي منخفض أقل من سبعة، وقدرتي على التحدث يوم الجمعة محدودة. انا سأتابع بحث اليوم بإذن الله، ولكن الجمعتين القادمتين لن يكون هناك بحث واجتماع، إلا إلى ما بعد رمضان. إنما هناك بديل آخر ليلة الجمعة القادمة، أي في التاسع عشر بناء على التقويم الرسمي، والثامن عشر بناءً على أن بداية الشهر الثلاثاء.
من ليلة الجمعة إلىعشر ليالٍ، أو إلى آخر رمضان، أو إلىاسبوع، سنحتفل كل ليلة هنا بالمجلس: إحتفالات، دعاء، قراءة قرآن، خطاب، أحاديث ثقافية مختلفة، الخ. فبعض الشباب، إذا تمكنوا أن يحضروا، قد يكون هذا شيء من التعويض عن الأبحاث الثقافية التي كانت تعطى يوم الجمعة.
سنحاول أن نعلن في الصحف عن هذه النشاطات، نفرش القاعة تحت بالحصير، ونجلس ونبتهل، وندعو الله سبحانه وتعالى، نستفيد من شهر رمضان. أنا أفكر أن نبدأ من الساعة العاشرة وحتى الساعة الثانية، أو الواحدة، أو الواحدة والنصف بعد منتصف الليل.
على كل حال، بحثنا الثقافي اليوم، وبإنتظار نهاية رمضان، هو البحث الأخير في هذا الشهر. نحن خلال أبحاثنا الثقافية السابقة، حاولنا أن نتحدث حول نشأة الحركة. وتحدثنا عن خطوة تجريبية اولى.
من اليوم نرجع إلىدراسة وزعت سابقاً، '' أضواء على المثياق ''. طبعاً سأحاول أن أبحث من خلال أضواء على الميثاق، إيديولوجية الحركة.
النقطة الاولى، التي هي النقطة التمهيدية. في مقدمة المثياق، تقول: أن حركة المحرومين هي حركة كل انسان، تصدي كل إنسان لما يحول دون أسعاده، لكل ما يحاول تجميد مستقبله، لكل ما يريد أن يمنعه من الوصول إلىالسعادة والهدف. لذلك هذه الحركة، هي حركة الإنسان، حاضراً، ومستقبلاً، وماضياً. هنا وهناك، وهي حركة واحدة في العالم كله.
إ يضاحاً لهذه المقدمة، لا بد من أن نقول، بالنسبة للإنسان، أي إنسان كان؛ هناك آراء فلسفية مختلفة حول: الإنسان بماذا يفكر؟ وبماذا يحس؟ وإلى ماذا يهدف؟ هذا السؤال المطروح.
هناك فلاسفة تحدثوا، فقالوا: أن الإنسان مجبول على الشر، الإنسان مجرم، مجبول على الشر ويريد الشر. هناك من قال بهذا. وهناك أناس، فلاسفة، قالوا أن الإنسان إبن بيئته، هو لوحة فارغة، بيضاء، ما نقش على هذه اللوحة، يتبين وينعكس.
النظرة الشيوعية الإجتماعية، ترى: إذاوحّدنا الطبقة، والغينا ملكية وسائل الإنتاج، فسوف نتمكن من تكوين مجتمع ذي طبقة واحدة، يفكر جميع أفراده تفكيراً واحداً؛ وبالتالي بإمكاننا أن نصوغ إنساناً جديداً على ضوء المجتمع الجديد الذي كوَّناه. إذاً، في منطقهم الإنسان لوحة. نقدر أن نرسم وننقش فيها كما نشاء.
نحن، بناء على المنطق القرآني، نعتقد أن الإنسان ليس مجبولاً على الشر، ولا هو لوحة مجردة تخضع لمجتمعه، وأن كنا لا ننكر تأثير المجتمع على الإنسان. ولكن لا يمكن أن نقبل أن الإنسان'' نوتر Neutre محايد. وأن الإنسان مجبول على الشر، ولكن الإنسان مجبول على الخير في رأينا. اذكِّركم بالآيات القرآنية والروايات. الآية تقول: '' فأقم وجهك للدين حنيفاً. فطرة الله التي فطر الناس عليها. لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم '' ] الروم / 30 .[ يؤكد القرآن أن فطرة الإنسان، خلق الإنسان، طريقة صياغة الذات الإنسانية، طريقة حسنة، طريقة هي الدين الحنيف.
ولذلك نحن نقول: أن الإنسان يجنح نحو الخير، نحو العدل، نحو الحق، نحو الصلاح، نحو التقوى. '' كل مولود يولد على الفطرة، الا أن أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسّانه ''.
إذاً، في رأينا أن الإنسان خيِّر بحسب الذات. والدليل على ذلك، اننا إذا درسنا تاريخ جميع الأمم، تاريخ جميع المجتمعات الحاضرة، والبائدة، المتحضرة والبدائية، جميع المجتمعات باتجاه واحد، جميع المجتمعات تقدس أشياءً، وتكرم أشياءً، وترفض أشياءً، وتميل إلىأشياء. هناك أمور مشتركة بين جميع بني البشر منذ أن كان وحتى الآن.
عندما تحصل حادثة في العالم، يهاجم بلد بلداً آخر، يحارب مستعمر شعباً ما، تصطدم دولة مع أبنائها، أي حادثة في العالم، سرعان ما نجد أن البشر، كل البشر، يتصنفون أمام الحادث، مما يؤكد أن الحادثة تمس شيئاً يخصهم. الرأي العام العالمي الذي تكوّن أمام ثورة الجزائر، أمام ثورة فيتنام! لماذا تحققت هذه المواقف العالمية؟ لسبب واحد، واضح: لأن البشر، كل البشر ضد الظلم. أي بشر تقصد، متحضراً أو بدائياً، عالماً أو جاهلاً، مثقفاً أو أمياً، لا فرق! الإنسان يكره الظلم أينما حصل. ممكن إنه عندما يخصه الظلم ومنافعه تتأمن، أن يميل إلىالظلم، ولكن عندما لا يخصه، فهو ضد الظلم.
أساساً، سبب تكوين الرأي العالمي، هو وجود الضمير عند البشر، حتى بإمكاننا أن نقول أن سبب نجاح الأنبياء في العالم، هو وجود الضمير عند البشر. لأن النبي وحده، يدعو إلىمجتمع يختلف عن المجتمع الحاضر، يصطدم مع مطامع المستفيدين ومع ذلك ينتصر، لأن للنبي في نفس كل فرد، قوة تسنده وتدعمه.
هذا الرأي طبعاً '' بحث '' بحد ذاته. بمقتضى هذا البحث، نحن في محاضراتنا حول تاريخ الأديان، كنا نقول: أن الدين فطرة وليس غريزة نابعة عن الخوف، أو الجهل، أو القلق، أو المصلحة المادية، كما يقول الباحثون.
هناك شيء في نفس الإنسان. سميناه مرة، النبي الباطن. ومرة، المرحلة الأولى من الدعوة، من الدعوة الألهية، الضمير. كل إنسان عنده هذا الضمير. يعني هناك نقاط أساسية يحتفظ بها كل فرد في حياته؛ من جملة هذه النقاط رغبة الإنسان نحو الكمال. يعني الإنسان يميل إلىالكمال إلىتحسين وضعه. وهو في هذا الإتجاه، في جنوحه نحو الكمال، إذاعرقل سيره بشيء، يصطدم معه. هذه هي الحركة، لأن الحركة يعني الإنتقال من مكان إلىمكان، من حالة إلىحالة. كل فرد في العالم هذا هو ذاته ومقتضى ضميره. ولأنه كما نحن نعتقد، ولأن الضمير والفطرة تدعو إلىالله، '' ليس إلىالآلهة ''، والرسالة دعت إلىذلك، فأن رغبة الإنسان في الكمال تشكل خطاً لا نهائياً.
الإنسان، كما ذكرنا، في تفسير '' لا إله إلا الله ''، '' الإله '' مَثَلُه، معبوده، غاية طموحه. فإذا آمن الإنسان بالله، يعني آمن باللانهاية. غاية طموحاتي أن أتخلق بأخلاق الله، أن أكون مثله في الصفات، طبعاً ليس في الذات، هذه اللانهائية في الخط تحدد إتجاه الحركة.
إذاً الإنسان بطبيعة ذاته راغب في الكمال؛ والكمال أن يكون الإنسان نسخة طبق مثاله، ومثاله الله، اللامتناهي. وإذاً، أمام كل إنسان في الحياة خط للسير، بدايته معروفة، ونهايته غير معروفة، لا متناهية. هذه الحركة. ولأن هذه الحركة تصطدم مع مصالح الآخرين، مع كسل الفرد، مع منافع الآخرين؛ فيصطدم، فيتكون الصراع، النضال.
وبتعبير قرآني: '' فألهمها فجورها وتقواها '' ] الشمس /8 .[ وآية اخرى: '' وهديناه النجدين '' ]البلد/10
الإنسان الذي يريد أن يتحرك يهتدي إلىمثالين، نجدين، فجورها وتقواها. ويبدأ الصراع من البداية. الصراع الذي تزرعه التربية الإسلامية في النفس: الشيطان والتحذير من الشيطان، والهوى، والنفس الأمارة بالسوء. ثم على صعيد الممارسة: الحلال والحرام.إذاً أولاً: ضمير الإنسان يدعوه للتحرك، التحرك نحو الكمال. والكمال يتحدد حسب الضمير وحسب التربية والعقيدة اللانهائية. فالطموح لا متناه. وفي هذا السير يصطدم الإنسان مع الآخرين، فيبدأ الصراع. أو أن الإنسان من البداية، وأمام الخط الذي يبدأ منه - بدايته معروفة ونهايته غير معروفة ـ أمام النجدين، أمام الخير والشر، أمام فجورها وتقواها، أمام الحلال والحرام، أمام الشيطان الذي يدعوكم إلىالفساد. '' الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء '' ] البقرة / 268 [، أمام الحلال والحرام مجموعة هذه الأفكار التي توضع أمام الإنسان، تجعله يشعر أنه يبدأ الصراع من البداية. الصراع الذي يتجسد في كل موقف، كل كلمة تتحدث بها، كل لقمة تأكلها، كل خطوة تخطوها، كل موقف تتخذه أمام الحياة. كل هذا نتيجة الصراع، نتيجة إختيارك، بعد جدل عريض طويل بين الخير والشر، الحلال والحرام، بين الله والشيطان، فجورها وتقواها؛ بعد هذه الصراعات، أنت تختار، تخطو الخطوة الأولى نحو الكمال.
إذاً، الحركة، فطرية، ضميرية، والكمال لا متناهي. والغاية، هي التخلق بأخلاق الله للوصول إلىالكمال المطلق الذي لا يحد. وطريق الوصول إليه صراع، وصراعه يؤدي إلىكمال، وبالتالي إلىالاستعداد للوقوف خطوة ثانية في هذا السبيل. نحن نعتقد أن الإنسان هذا هو. هذا هو الإنسان. ليس شريراً، ولا لوحة صافية تعكس ما يرسم عليها. الإنسان له ذاتياته، له سيئاته، له إمكانياته، وإمكانياته حكيناها. هذا الإنسان هو رأسمالنا. لذلك عندما ننظر، نحن نرى، كالأنبياء لأننا من مكتبهم، من مدرستهم. مع كل فرد ضمير، لأن مع كل فرد نجد حركة نحو الكمال. ولأنه لم يصل للكمال، نجد مع كل فرد حرماناً. فنحن نقول: إما حرماناً للحال، وإما حرماناً للمستقبل. لذلك، نحن نعتبر أن الحركة كانت منذ أن كان الإنسان. لأن كل إنسان يريد الكمال، ويصطدم في سبيل الكمال، ويشعر بالحرمان، وهكذا.
طبعاً هذا البحث، لا بد أن تتضح معالمه، الإخوان في اللجنة إذاأحبوا أن يستوضحوا حول هذا التسجيل فبإمكانهم أن يبحثوا معي هذا الأمر، ونوضح أكثر هذه النقطة التي هي البداية، والغاية، والقوة الدافعة في نفس الوقت، ورصيد الإنتصار في نفس الوقت. وهو مقتبس بالفعل من التراث من القرآن الكريم.
أنا أكتفي وأنتظر أسئلتكم، يكون التي أرجو أن لا تكون كثيرة، لأني أكابد في الواقع مع نفسي، والجمعتان القادمتان لن يكون هناك دروس ثقافية، هي مؤجلة بإذن الله إلى ما بعد رمضان. لكن ليالي رمضان، ليلة الجمعة، أواخر الليل ستقام. إذا كان الطريق آمن بإمكاننا أن نسهر، ونقرأ دعاء، نقرأ القرآن.

مسيرة الامام السيد موسى الصدر المجلد الثاني عشر - 1974
محاضرات في التنظيم والسياسة