الاسلام والتراث
بسم الله الرحمن الرحيم
ان من أهم بنود ميثاق حركتنا هو التراث، ولا شك أن أهم محتويات تراثنا العظيم هو رسالة الإسلام بظروفها وسوابقها ومقارناتها وتفاصيل الدعوة وسلوك صادعها عليه السلام.
فالإسلام وتأثيره البالغ الخالد في أمتنا وفي العالم يطلبان من كل راغب في معرفة التاريخ والحضارة وكل ساع في خدمة الإنسان في العالم أن يستوعب هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ الكون.
ومن الطبيعي أن إستيعاب تفاصيل الإسلام بالنسبة لأفراد أمتنا وبخاصة لحركتنا المؤمنة ضرورة قصوى وحاجة لا غنى عنها.
وسوف نحاول أن نوجز البحث الشامل في الإسلام في النقاط التالية مقتبسين في هذا البحث أسلوب القرآن المجيد نفسه، ذلك الإسلام الذي إستعمله الرسول ونجحت التجربة:
1. مفهوم الإسلام هو الإستسلام لله والتسليم له وهذا المفهوم له أبعاد رئيسية ثلاثة:
أ. التسليم بالعقل وهذا يعني أن قناعتي ستوصلني إلى وجود الله وخلقه للكون وما فيه، فأن كنت مسلماً علي ألا أعاند منطق أفكاري لأن الصنع يدل على الصانع والخلق يدل على الخالق والوجود يدل على الواجد.
ب. التسليم بالقلب والإقتراب من الله بالعاطفة القلبية، حيث يصبح وجود الله عز وجل، معايشة نفسية يحسها الإنسان في كل نبضة قلب، وفي كل شعور وإحساس، أنها الحالة التي تحدد الممارسة المخلصة من النفاق. فالمحب يقوم بالعمل المطلوب بكل طاقته ومن كل قلبه، يقبل ولا يدبر، يضحي لأنه يشعر باللذة الحقيقية في العطاء لمن يحب.
ج. التسليم بالجسد وهو أداء ما أمر الله به، فحركات الجسد تكون إسلاماً إذا ما إقترنت بفعل الأوامر الإلهية كالصلاة والحج والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة الظلم وخدمة الأيتام كلها تصرفات جسدية تعبر عن إسلام المرء إذا ما إقترنت بالإيمان.
إذن، الإسلام هو تسليم العقل والقلب والجسد، بفهم الوجود وفهم دورنا فيه، والإرتباط برب الوجود، والإرتياح النفسي له ولكل ما يأمر به. فهو المعطي والمنعم وهو المجزي والمحاسب، عندها يكون سلوكنا منطلقاً من الوعي والمحبة فيؤتي الثمار الجيدة في الحياة، ونكون قد أدينا الدور الذي يرضاه الله: '' قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ''. )آل عمران/31)
وعن رسول الله (ص) قوله:
'' ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني إنما الإيمان ما وفر في القلب وصدقه العمل ''.
2. والإسلام هو دين الله الذي '' ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه '' )آل عمران/85) وقد دعا إليه الأنبياء جميعاً بدءاً بابراهيم ومروراً بالرسل جميعاً إلى أن ختمه وقدمه كاملاً واضحاً مضمون البقاء إلى الأبد.
ويؤكد القرآن الكريم أن إبراهيم وإسماعيل كانا يقولان عند بناء الكعبة '' ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك '' البقرة/128 بالإضافة إلى أنه يعتبر الدين '' ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ''. ( الحج/78)
ويتابع القرآن الكريم في إعتبار الإسلام دعوة نوح وموسى وعيسى حتى يعلن حوار المسيح بقوله: '' فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا به وأشهد بأننا مسلمون ''. )الأنعام/52)
فالدين واحد لأن مشرعه وهو الله واحد، ولأن الإنسان والكون والعلاقات بين الإنسان والكون، العلاقات التي يجب أن تنتظم وتنسجم مع الخلق، أقول ولأن الإنسان والكون والعلاقات منذ بداية الخلق في سلسلة مستمرة متصلة والأنبياء وهم سفراء الله يدعون إلى حقيقة واحدة وهي الإسلام.
غاية الأمر أن الدعوة، وهي صناعة الإنسان، تتطور مع تطور الإنسان في وعيه وعقله ومشاعره وإحساسه بالمسؤولية شأنه في ذلك شأن الطالب الذي يدرس حقائق علم واحد بمستويات مختلفة مع تدرجه في الصفوف.
وبهذا الطرح نجد إنفتاح الإسلام التام على الأديان وإحترامه لها وتأكيده على صدق الأنبياء إلى جانب إصراره على الإلتزام بالدعوة المحمدية وبالمنهج الأكمل الذي كان منهاجه الخالد للإنسان الذي بلغ في عهده مرحلة قبول الدين الكامل مع وضع أسس تضمن بقائه وتطوره الذاتي: '' اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً'. )المائدة/3)
3. والإسلام هذا بدأ بكلمة '' أقرأ '' رغم أن النبي الكريم لم يكن قارئاً، معتبراً مقارنة هذا الدين بالعلم، مضيفاً وجوب القراءة باسم الله الذي يصفه بالخلق وبأنه علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. وعندما نعرف أن العلم هو معرفة الموجودات وأحوالها وصفاتها لدرك بوضوح توجيه الإنسان إلى هذه الحقيقة التربوية الكبرى: أن أحكام الدين وتعاليمه منسجمة كمال الإنسجام مع حقائق الكون وأوضاع الموجودات، وأن الإسلام الذي هو التسليم للخالق هو في نفس الوقت حقيقة العلاقات الصحيحة بين الإنسان وبين المخلوقات دون إنحراف أو مبالغة أو تقصير.
فموقع الإنسان ( وهو أحد المخلوقات ) من بقية الموجودات بالصورة التي قررها الخالق وكيفية تعامله معها بالإضافة إلى موقعه من الخالق ومن نفسه، كل ذلك يتلخص في أحكام الإسلام. فالأحكام هذه حقائق وليست قرارات وقوانين وضعية متغيرة، وهذا أحد معاني كون الإسلام دين الفطرة '' فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله'' الروم/30، فالله وهو خالق الإنسان والكون، هو بذاته واضع الإسلام وشارعه والصلة بين هذه العناصر الثلاثة: الإنسان، الكون والإسلام وبين الله، صلة ثابتة أزلية أبدية، والصلات بين العناصر الثلاثة وتفاعلاتها هي التي تصنع التاريخ وتطوراته الصحيحة التي تستحق الخلود، وسوف نبحث إنطلاقاً من هذا المبدأ في صلاحية أحكام الإسلام لتوجيه الإنسان في جميع مراحل تاريخه وتطوراتها. وقد سبق موجز هذا البحث في محاضرة '' الروحية، الأصالة والتطور '' التي نشرت في '' أمل ورسالة ''.
4. والإسلام له أيديولوجية تتألف من ثقافة ومن إيمان وله أحكام تشمل تنظيم العلاقات التي سبق ذكرها وهي علاقة الإنسان بنفسه وبربه وببني نوعه وبالموجودات كلها. والأحكام بالنتيجة تضم الأخلاق والعبادات والمعاملات والسياسات ومع ذلك فالإسلام وحدة لا تتجزأ يؤثر كل قسم منه في أقسامه الأخرى كما سنبحث قريباً.
الثقافة الإسلامية هي عبارة عن رؤية الإسلام المتميزة لله وللكون والحياة والإنسان، هذا بالإضافة إلى مسائل كثيرة تطرح في مختلف شؤون الحياة. الله، مقدار معرفتنا له، عدم إمكانية إدراك حقيقته، إدراكه بصفاته وبآثاره، حضوره الدائم، قيموميته للوجود وأنتهاء الوجود باشارته، صفاته، عدله، وعلمه، وصفات كماله، هذه المفاهيم جزء من ثقافة الإسلام.
وكذلك مفهوم الملائكـة، الرسول، الجنة والنار، الإنسان، الحياة، الموت، العمل، المجتمع، الحلال والحرام ... مباحث من الثقافة الإسلامية أما الإيمان الإسلامي فهو إلى جانب إدراك معنى الله وصفاته وإلى جانب الإحساس من القلب به وبقيمومته وحضوره يحتاج إلى رؤية عقلية واضحة تحصل بالدليل وتتعمق بالعمل والممارسة.
وكذلك يطلب الإسلام من المسلم الإيمان بصدق الأنبياء وبرسالتهم جميعاً، كما يطلب الإيمان بقناعة بعيدة عن التقليد بالمعاد.
والحقيقة أن الأصول الأساسية للإسلام لا يقبل فيها التقليد أو الظن، بل أنها حقائق يجب إدراكها بالمعرفة العميقة التي تحصل من الدليل القطعي الواضح، ذلك لضرورة المعائشة الدائمة وفي جميع الأحوال معها فعندما بدأ الرسول بالدعوة العلنية قال: '' قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ''.
هذه الخطوة الأولى تركز على نفي آلهة السماء والأرض والمال والجاه ونفي عبادة الذات، أنه الله الواحد الأحد. وألوهيته تعني القيمومة أي التأثير الدائم على الوجود. وهذا يؤدي إلى ضرورة بقائه وفعاليته، لا كما يدعي الإتجاه اليهودي من أن يد الله مغلولة بمعنى أنه خلق العالم وتركه ولم يعد له قدرة التأثير على موجوداته، تماماً كما يحدث للبناء الذي يبني عمارة ويكون مشرفاً عليها خلال فترة البناء ثم تبقى قائمة بحد ذاتها ويرحل عنها ثم يفنى وتبقى العمارة. وفي هذا يجابههم القرآن: '' وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ''. المائدة/64
هذا الرد نابع من كون الوجود لا يستقيم بذاته، إنما يحتاج للمشرف الدائم، الذي لا يخسر قدرته بخلق الوجود، لأن الإيجاد من العدم عملية خلق مستمرة تفقد فعاليتها بابتعاد واحدها. فإذا إبتعد الله ولم يعطِ الدفع المستمر ينهار كل شيء.
ولتوضيح الصورة نعطي الأمثلة التالية:
* الكهرباء تحصل نتيجة تناوب دفعات من الألكترونات، هذا التناوب يتهيأ لنا بأنه حالة مستمرة، فنرى النور مثلاً في المصباح دون إنقطاع مع أن دفعات الألكترونات ليست سلسلة متصلة ويفصل بينها مقدار زمني أقل من واحد على عشرة من الثانية بحيث لا تدرك العين هذا الفاصل. وهناك نظرية (كونت ) التي تعمم هذه الحالة على الوجود كله، أنه وجود مستمر باستمرار الدفعات التي تعطى له فلو توقفت هذه الدفعات التي تعطي الحياة لإنهار الوجود.
* في التلفزيون نرى الصور المختلفة لوقائع مختلفة، فنرى الحرب، والفيلم الوثائقي، والمغامرات، والمقابلات والأخبار والدعايات، كل ذلك يكون بفعل الصور المتعاقبة بسرعة لا يدرك البصر الفاصل بينها ولكنها تتوقف جميعها إذا توقف التقاط الإرسال وذلك بكبس الزر، أو توقف الإرسال نفسه، أي يجب أن يبقى الإرسال والإستعداد لتلقي الإرسال.
وهذه هي حال الوجود.
إنه مستمر ما دام الإرسال الإلهي ـ بث الحياة في كل شيء ـ مستمر وإما إستعداد الوجود لهذه الحياة فهو عطاء من الله لو سحبه منا لما بقي مخلوق. إذن قابلية الحياة في الأشياء أوجدها الله وإستمرارية الحياة مرهونة باستمرار مشيئة الله إبقائها في الأشياء، لأن الحياة ليست قائمة بمعزل عن الله عز وجل إنما الإشراف عليها مستمر. ولكن يهيء لنا ذلك لأننا لا نرى الفاصل بين الوجود والعدم في كل لحظة من وجودنا وأن كنا نراه فجأة عند إستمراره في الموجودات. فالموت هو إنقطاع المدد الإلهي، والحياة هي إستمرار هذا المدد. فحتى تستمر الحياة التي يرتبط تفسيرها باستمرار وجود الله واهبها ـ لأنه يستحيل وجودها بدونه وبالكيفية التي أرادها ـ تصبح قيمومة الله وإشرافه الدائم على الوجود والحياة فيه أمر حتمي.
باختصار: إرتباطنا بالله القيوم الخالق العالم يعزز إنسجامنا مع الوجود ويتمثل بارتباطنا بالإسلام دين الله لعباده، أنه يعني فهم دورنا ووجودنا فهماً شمولياً ينسجم مع قوانين الكون وبالتالي يؤدي إلى النتيجة الناجحة حتماً لأنها مرتبطة بالمقدمات السليمة.
وقد كتب النجاح لهذه التجربة عندما تمسك بها المسلمون الأوائل ووعوا محتواها، ونستطيع اليوم أن نعيد هذه التجربة الناجحة بتعميق فهمنا لها، عنيت فهمنـا للإسلام ...
مسيرة الإمام السيد موسى الصدر
الوثائق - المجلد الاول